فخر الدين الرازي

155

تفسير الرازي

واَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) * . اعلم أنه تعالى لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقوله : * ( واذكروا إذ أنتم قليل ) * ( الأنفال : 26 ) فكذلك ذكر رسوله نعمه عليه وهو دفع كيد المشركين ومكر الماكرين عنه ، وهذه السورة مدنية . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين : إن مشركي قريش تآمروا في دار الندوة ودخل عليهم إبليس في صورة شيخ ، وذكر أنه من أهل نجد . فقال بعضهم : قيدوه نتربص به ريب المنون ، فقال إبليس : لا مصلحة فيه ، لأنه يغضب له قومه فتسفك له الدماء . وقال بعضهم أخرجوه عنكم تستريحوا من أذاه لكم ، فقال إبليس : لا مصلحة فيه لأنه يجمع طائفة على نفسه ويقاتلكم بهم . وقال أبو جهل : الرأي أن نجمع من كل قبيلة رجلاً فيضربوه بأسيافهم ضربة واحدة فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على محاربة قريش كلها ، فيرضون بأخذ الدية ، فقال إبليس : هذا هو الرأي الصواب ، فأوحى الله تعالى إلى نبيه بذلك وأذن له في الخروج إلى المدينة وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن الله له في الهجرة ، وأمر علياً أن يبيت في مضجعه ، وقال له : تسج ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه وباتوا مترصدين ، فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا علياً فبهتوا وخيب الله سعيهم . وقوله : * ( ليثبتوك ) * قال ابن عباس : ليوثقوك ويشدوك وكل من شد فقد أثبت ، لأنه لا يقدر على الحركة ولهذا يقال لمن اشتدت به علة أو جراحه تمنعه من الحركة . فقد أثبت فلان فهو مثبت ، وقيل ليسجنوك ، وقيل ليحبسوك ، وقيل ليثبتوك في بيت فحذف المحل لوضوح معناه ، وقرأ بعضهم * ( ليثبتوك ) * بالتشديد وقرأ النخعي * ( ليثبتوك ) * من البيات وقوله : * ( أو يقتلوك ) * وهو الذي حكيناه عن أبي جهل لعنه الله * ( أو يخرجوك ) * أي من مكة ، ولما ذكر تعالى هذه الأقسام الثلاثة قال : * ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) * وقد ذكرنا في سورة آل عمران في تفسير قوله : * ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) * ( آل عمران : 54 ) تفسير المكر في حق الله تعالى ، والحاصل أنهم احتالوا على إبطال أمر محمد والله تعالى نصره وقواه ، فضاع فعلهم وظهر صنع الله تعالى . قال القاضي : القصة التي ذكرها ابن عباس موافقة للقرآن إلا ما فيها من حديث إبليس ، فإنه زعم أنه كانت صورته موافقة لصورة الإنس وذلك باطل ، لأن ذلك التصوير إما أن يكون من فعل الله أو من فعل إبليس ، والأول باطل لأنه لا يجوز من الله تعالى أن يفعل ذلك ليفتن الكفار في المكر ، والثاني أيضاً باطل ، لأنه لا يليق بحكمة الله تعالى أن يقدر إبليس على تغيير صورة نفسه . واعلم أن هذا النزاع عجيب ، فإنه لما لم يبعد من الله تعالى أن يقدر إبليس على أنواع الوساوس فكيف يبعد منه أن يقدره على تغيير صورة نفسه ؟ فإن قيل : كيف قال : * ( والله خير الماكرين ) * ولا خير في مكرهم .